قسنطينة تستعيد حيويتها الثقافية 2003- 2004
كتبهاmohamed zetili ، في 30 مايو 2008 الساعة: 15:12 م
قسنطينة تستعيد حيويتها الثقافية
سقي الجذور وعودة الوعي للذاكرة المنسية
2003/2004
تقرير منشور بمجلة الثقافة لوزارة الثقافة الجزائرية
كتبه محمد زتيلي خصيصا للمجلة
تمثل عملية الحفر في الذاكرة مهمة ذات أولوية لا تضاهيها في ميدان العمل الثقافي سوى مهمة الحفر الأركيولوجي، إنهما عمليتان تعتبران في نهاية الأمر وجهين لعملة واحدة لكونهما ينطلقان من تصور محدد لتحديد معالم ثقافة مجتمع من المجتمعات. فالبعد الروحي المحدد للروابط الإجتماعية والعلاقات الإنسانية يستمد حياته من ذاكرة المكان بتجلياته الحضارية المتعاقبة، وعليه فليس العمل الثقافي في زمن العولمة وفي كل زمن قفزة أو قفزات في الظلام، بل هو عمل محدد ومدروس وفق رؤية سوسيوثقافية شكلت عبر الأعوام ترسباتها في الوعي الجماعي.
كل ذلك بطبيعة الحال مفتوح على الأفق، وهذا الانفتاح ليس مجانيا بل هو انفتاح بلا حدود مستمد من ذاكرة خصبة تماما كالشجرة التي تستمد أغصانها القوة والحياة من تلك الجذور المغروسة في أعماق التربة. ومن الواضح أنه بقدر انغراس الجذور في أعماق التراب بقدر ما هو ممكن للشجرة إعطاء النمو للأغصان والحياة للأوراق.
قد يبدو هذا الكلام نظريا، والحقيقة أنه أبعد ما يكون عن ذلك، بل إنه في صميم الممارسة والبناء والتشكيل والنحت الروحي والمادي والنفسي، وعليه فالعمل الثقافي في ولاية كقسنطينة ليس هو نفس العمل الثقافي في ولاية أو منطقة أخرى.
فالتاريخ المشترك أعطى لكل منطقة نقاط قوة تتميز بها وتمنحها خصوصيتها وحرارتها،ويتعين على العامل في الحقل الثقافي الغوص في ذاكرة المكان بحثا عن هذه الفرادة أو بحثا عن قوة الأشياء التي تناثرت شظاياها على سطح الذاكرة الغائبة أو المتعبة، من خلال جمع الشتات وإعادة تكوين الحدث.
ومن اللازم القول بأن قوة العمل تتكون من خلال تأصيله، ولنا في هذا نموذج حي على ما نقول، فالتراث العيساوي يمثل بالنسبة لمدينة قسنطينة أحد أركان حياتها الفنية والروحية والفكرية، ويمتد هذا في ذاكرة القسنطينيين، إلى عشرات السنين، إستطاعوا أن يتفاعلوا معه أخذا وعطاء، وأن يتشابكوا مع تفاصيله عقودا متتالية من الزمن، وخلال حقبة الاستعمار الفرنسي كان التراث والفن العيساويين ملاذا روحيا لهم، إتخذوه مجالا للتصوف والإستمساك بما هو مختلف وأصيل في حياتهم. ورغم الدعوات الأكثر جرأة والنداء لإصلاح حال الأمة،
ورغم أن الفن والتراث العيساويين لا يتيحان هذه الإمكانية حسب الأهداف الموضوعة، ورغم ما حصل من تراشق اجتماعي فرضته المرحلة التاريخية الصعبة إلا أن صلة القسنطينيين بالفن والتراث العيساويين ظلت مستمرة وحميمية، وظل الطقس العيساوي مزيجا بين المديح الديني والذوبان في روح الممدوح المصطفى وفي ذات الله المعشوق .
لهذا كان المهرجان الوطني الأول للفن والتراث العيساوي الذي نظمته مديرية الثقافة وجمعية أبناء الطريقة العيساوية من 30 أكتوبر إلى 05 نوفمبر 2003 وشاركت فيه فرق عيساوية من عنابة وبسكرة وتلمسان وقسنطينة،وفرق عيساوية صنعت الحدث في الأسبوع الأول من شهر رمضان المعظم والتحمت به العائلات القسنطينية طوال أسبوع كامل في قـاعات العرض الموزعة عبر تراب الولايــة، الخروب، علي منجلي، عين اسمارة وقسنطينة وعبر إقامات جامعية.
هذا المهرجان الوطني الأول للعيساوة أطلق عليه إسم”خرجة سيدي راشد”
تبركا بمكارم الولي الصالح سيدي راشد الذي ارتبط تاريخه وذكره في ذاكرة القسنطينيين بكل ما هو خير من نشر للعلم والفضيلة وخدمة للدين وقد أتى إلى قسنطينة من ضواحيها القريبة بعد منتصف القرن التاسع عشر فأعطى للمدينة ولأهلها الكثير الكثير فاحتضنوه واتبعوا نهجه فانتشرت روحه الطاهرة بين أهل المدينة التي خلدته بعد وفاته وبنت له مقاما طيبا ظل شامخا رغم ما تعرض له عبر الأعوام، وقبل سنة فقط خصصت له سلطات المدينة جهدا خاصا فأعادت صياغته وإشراقه.
شاركت في المهرجان الوطني الأول للعيساوة كل من الجمعية القادرية لولاية بسكرة وجمعية المرحوم الحاج خروبي من ولاية عنابة والجمعية القادرية لولاية سوق اهراس كما شاركت من ولاية قسنطينة الغنية بعدد الجمعيات العيساوية كل من الراشدية العيساوية وجمعية الرحمة لمدينة الخروب وجمعية أبناء الطريقة العيساوية وجمعية الزيار والجمعية العقيقية، وقد شاركت جمعيـة أبناء الطريقــة العيساوية مديرية الثقافة في تنظيم المهرجان كما شارك رئيس جمعية العقيقية الفنان الكبير زين بن عبد الله في التنظيم بقوة ولم يبخل سواء بمشاركته في التنظيم أو بإحياء السهرات الفنية وقد سجل المهرجان الوطني للعيساوة ولأول مرة في تاريخ هذا الفن العيساوي تكريم شيخ الطريقة العيساوية لمدينة قسنطينة الشيخ بلقاسم عبيد شارف الذي عبر في حفل الاختتام عن مباركته للمهرجان ودعا إلى استمرار الجهود لمواصلة العمل في هذا الاتجاه، لم ولن ينسى سكان قسنطينة وفنانوها ومثقفوها ومحبوها ليلة 30 أكتوبر 2003 عندما أعطت سلطات الولاية الذي يتقدمهم السيد الوالي إشارة انطلاق مسيرة الفرق العيساوية من ملعب بن عبد المالك باتجاه ساحة الشهداء. كانت المسيرة حاشدة تزينها الأعلام الخضراء والسناجق النحاسية وتملأ أصوات الدفوف والأهازيج والمدائح المنبعثة من حناجر الفرق العيساوية وهي سير باتجاه وسط المدينة في تناغم روحاني عظيم..
ومما زاد المسيرة مهابة وجلالة زغاريد النسوة اللاتي تشرئب أعناقهن من نوافذ شارع عبان رمضان وهن يرششن الفرق بماء الورد وأحجار السكر وربما بالعطر فضلا عن الأحزمة البشرية التي أحيطت بالفرق العيساوية مبتهجة بليلة الثالث من رمضان المعظم وفي الأعماق كانت الابتهالات إلى المولى العلي القدير بأن يطرد الشياطين التي سكنت جنبات قسنطينة الطاهرة.
قسنطينة سيدي راشد الولي الطاهر الذي لا شك أنه سيعود يوما إلى مقامه الزكي.
وأمام المسرح الجهوي بقسنطينة مقابل دار البريد المركزي، في الساحة الواسعة النظيفة في ذلك المساء، المضيئة جدا في تلك الليلة الساكنة كمكان مقدس في ذلك اليوم المشهود، حطت الفرق العيساوية رحالها صانعة حلقة واحدة ، سبحان الله ما أجمل ذلك، أكثر من مائة وخمسين، رفعوا الدفوف معا، دقوا الدفوف وسط مدينة سيرتا، وسط مدينة سيدي راشد، على روح سيدي راشد من أجل “رقية” للمدينة من الشياطين وما سكنها أعواما طويلة من الشر وذويه، دقوا الدفوف وارتفعت حناجر الجميع مبتهلة بصوت واحد “قلبي مشتاق…”وصمت الآلاف من الذين تحلقوا حول “الحضرة” العيساوية صمتوا ابتهالا وانصاتا… ورأى الناس الذين روأوا في ذلك المساء الرمضاني الكريم طيورا بيضاء، اسراب طيور بيضاء تغطي سماء مدينة سيدي راشد…
لم تهدأ قسنطينة سوى أيام قليلة لكي تفسح المجال لعشاق المالوف حيث انطلق المهرجان 11 للمالوف من 13 إلى 20 نوفمبر 2003 الذي نظمته مديرية الثقافة بمعية جمعية إشبيليا.
حيث عاش جمهور المدينة عبر ثمانية أيام سهرات فنية في كل من قصر الثقافة مالك حداد
والمسرح الجهوي أحيتها جمعيات لها وزنها في هذا النوع من الفن الراسخ الجذور يتقدمهم الحاج محمد الطاهر الفرقاني وزين الدين بن عبد الله وزين الدين بوشعالة وحسن برنكي ورشيد بوطاس كذلك مدرسة سونلغاز لمدينة قسنطينة ” الإنشراح”، فضلا عن الجمعيات من خارج الولايات، من بليدة ” الأندلسية” وبوفاريك وبجاية وميلة وسوق أهراس. وقد أوفدت وزيرة الاتصال والثقافة خليدة تومي ممثليها لافتتاح المهرجان في قصر الثقافة مالك حداد حيث قرأت كلمتها الافتتاحية التي رحّبت بالحاضرين ووعدت بتطوير المهرجان ودعمه وشكرت المنظمين على الجهود المبذولة ولم يعرف المسرح الجهوي بقسنطينة منذ مدة طويلة جدا جمهورا كذلك الذي حضر الاختتام، وبالضبط السهرة التي أحياها الحاج محمد الطاهر الفرقاني “مسك الختام” حيث امتلأ المسرح عن آخره ولم يتمكن من الحضور المئات من الذين تعالت احتجاجاتهم في الخارج من عدم تمكنهم من الدخول لقد حصل هذا يوم 20 نوفمبر 2003 بالمسرح الجهوي.
كما عرفت قسنطينة أحداثا ثقافية بارزة مثل :
* السهـرة التكريميــة يوم 11 سبتمبر برعايــة وزيرة الاتصال و الثقافة والتي غنّى فيها كل من مريـم عابـد والسيـدة ثريا والفنــان أكلي يحياتن ورشيــد مصباحي وكرمـت الوزيــرة:الشيخ التــومي سياف،الشيخ قدور الدرسوني، الحــاج محمد الطاهر الفـرقاني، عبد المؤمن بن طبال،شافية بوذراع
*مشاركة دار الثقافة لولاية قسنطينة من 02 إلى 15 أوت 2003 في تنشيط الخيمة الثقافية التي بادرت بها معالي وزيرة الاتصال و الثقافة في المناطق المنكوبة من أثر زلزال 21 ماي 2003 وهذا بمنطقة زموري حيث أقيمت في عين المكان ورشات (مسرح للأطفال ورسم للأطفال، إعلام آلي، وعرض أفلام ليلية).
*نظمــت دار الثقافة لولاية قسنطينة بالتعاون مع جمعية مسرح الليل أياما لمسرح الطفل مــن 26 إلى 31/12/2003 بمشاركة فرق من قسنطينة وبعض الفرق من خارج الولاية.
*كمــا ساهمت قسنطيـنــة في تنشيط الاحتفال الوطني برأس السنــة الهجرية بقصر الثقافة مفدي زكريا والاحتفال بيوم عاشوراء، حضرهما وفد وزاري وقد كانت مشاركة دار الثقافة لولاية قسنطينة كل تقدير وإعجاب الحاضرين.
*أما في مجال المسرح فقد كانت مشاركة المسرح الجهوي بقسنطينة في مهرجان القاهرة الثالث عشر للمسرح التجريبي في مطلع سبتمبر 2003 ولأول مرة مشاركة في المستوى المشرف للمسرح الجزائري وتجربته المتميزة وقد انتزع الممثل الكبير هلال عنتر الجائزة الأولى لأحسن ممثل ولأول مرة كما حظيت المسرحية المشارك بها “ديوان لعجب” باهتمام النقاد والمشاركين.
*ويحظى مسرح الطفل في قسنطينة منذ نهاية نوفمبر 2003 بعناية المؤسسات الثقافية، حيث يقدم كل صباح جمعة في كل من دار الثقافة لولاية قسنطينة والمسرح الجهوي بقسنطينة عرض يحضره مئات الأطفال الذين تعوّد أولياؤهم على الموعد وصاروا يحضرونه باستمرارية وتلقائية.
* وبالمسرح الجهوي بقسنطينة تم تكرين”ورشة المسرح التجريبي” حيث تقرر انجاز عمل مسرحي عالمي كل سنة، وشرع هذا العام في الإشتغال على نص” الحمار الذهبي” للكاتب الجزائري أبوليوس من القرن الميلادي الثاني ، وهو النص الذي ترجمه المرحوم الدكتور أبو العيد دودو ويقدم هذا العمل تقديرا وترحما على روح الفقيد دودو وقد برمجت المشاركة به في مهرجان القاهرة القادم (14) للمسرح التجريبي، ولأول مرة اتفق مسرح قسنطينة على أن يتم إخراج هذا العمل الكبير تاريخيا ونصا وفضاءا من طرف المخرج الجزائري (الهاشمي نور الدين) المقيم بألمانيا حيث ينتظر أن يحضر خصيصا لهذا العمل في وقت قريب.
* فضلا عن إعادة وإخراج وتوزيع جديد لعملين مسرحيين عرفا نجاحا كبيرا في سنوات الثمانينات وهما: “السيد الوزير” ومسرحية “خط الرمل” العمل الأول تعاد مع فرقة جديدة من الهواة في إطار الانفتاح والتكوين والثانية من طرف الفنان القدير علاوة زرماني *كما نظمت مديرية الثقافة بالتنسيق مع دار الثقافة وجمعية المبدعات “أصوات المدينة” يوما أدبيا بعنوان “الكتابة ودورها في نشر الوعي وترسيخ الذاكرة” حضر افتتاحه السيد وزير المجاهدين ووالي الولاية وهذا يوم 19 فيفري 2004 شارك فيه أربعون مبدعا ومبدعة وحضره عشرة أدباء من ولاية عنابة والطارف في إطار العلاقات بين المديريات الثقافية حسب تعليمات السيدة وزيرة الاتصال والثقافة وقد نوّه مدير الثقافة في الختام بمشاركة معهد الآداب واللغة العربية بجامعة قسنطينة في فعاليات هذا اليوم .
*ومنـذ سبتمبر 2003 واصلـت مديريـة الثقـافـة لقاءاتها الأدبية والفكرية والفنية التي تقام كل يـوم إثنين في إطار نادي “فكـر وفــن” وهو فضاء مفتوح للمبدعين لتقديم تجاربهم والتحاور فيما بينهم بخصوص ما يقدم وفي كل لقاء يكرم المشاركون بشهادة تقديرية وتكريمية بتقديم “فيلم ذهبي”.
* ومن بين المحطات التي عرفها نادي فكر وفن اللقاء الكبير الذي جمع فنانات وفنانين تشكيليين دار النقاش فيه حول ” واقع الحركة التشكيلية في الجزائر”.
قسنطية / محمد زتيلي
مدير الثقافة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : lمالك جداد, السلم بقسنطينة, العيساوة قسنطينة 2003, قسنطينة, قسنطينة ثقافة, قسنطينة صالح باي, مالك جداد, ملتقى السلم بقسنطينة, ملتقى السلم بقنطينة, نادي فكر وفن بقسنطينة | السمات:lمالك جداد, قسنطينة, قسنطينة ثقافة, قسنطينة صالح باي, نادي فكر وفن بقسنطينة, ملتقى السلم بقنطينة, ملتقى السلم بقسنطينة, مالك جداد, السلم بقسنطينة, العيساوة قسنطينة 2003
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























