علاقــة الإعــلام بالمجتمــع المدنــي

كتبهاmohamed zetili ، في 30 مايو 2008 الساعة: 15:59 م

الحوار الغائــب حـول

علاقــة الإعــلام بالمجتمــع المدنــي

كتب/ محمد زتيلي

يوجد في الجزائر معهد لتدريس العلوم السياسية

 والإعلام منذ السنوات الأولى للجزائر المستقلة كما يوجد

 منذ فجر الاستقلال مؤسسات إعلامية إسلامية ممتدتي

 الجذور في روح الحوار

والتسامح وفكر الاختلاف.

ورغم هذا فإنه عند الحديث عن المهنية الإعلامية يقفز أغلبنا للارتماء في خطاب التعددية السياسية والتجربة الديمقراطية في الجزائر جاعلين ذلك نتيجة من نتائج ما تحقق بعد دستور 1989 وميلاد الصحافة الخاصة أو المستقلة.

وكأن المهنية لم تكن من قبل، وكأن ما كان من قبل كله تطبيل لخطاب النظام السياسي المبني على الأحادية الحزبية، خاصة وأن هناك فرقا بين الأحادية الحزبية والأحادية السياسية، وأن معظم الذين أسسوا الصحافة الخاصة في ظل الحزب الواحد، منهم من كان له حضور قوي في الساحة بمهنيته وما يكتبه،وهناك من لم تكن له علاقة سوى علاقة :الوظيفة” المبررة ببطاقة الراتب  وله حساسية خاصة تجاه الكتابة والرأي والمهنة عامة.

كما أنه ومنذ انطلاق الصحافة الخاصة والمستقلة في الجزائر المستقلة، لم تتمكن

 - رغم ما حققته من منجزات - من الخروج إلى واقع جديد يتجاوب مع مجمل التحولات الداخلية والخارجية لكونها فضلت القطيعة على الحوار مع التجربة وتوهّمت  أن البداية ينبغي أن تبدأ من الصفر ومن رفض كلي للرصيد وهكذا انطلقت التجربة بترسانة من الأحكام والأوصاف لا مجال لحصرها.

واليوم يبدو أن ما حققته الصحافة الخاصة والمستقلة من نتائج في إرساء ثقافة المهنية الإعلامية لا مجال لإنكاره والقفز عليه بعد مرحلة المخاض وعبور العواصف والزلازل التي قادها الصحفيون الجزائريون وبالضبط تلك التي خاضتها مؤسسات إعلامية وقياديون إعلاميون مسنودين ومدعمين بمد متصاعد وتلاقي أفكار ورؤى،

و لاعيب أن يتأسس ذلك على مصالح أيضا إن لم نقل أن ذلك سبب الوجود وسبب الاستمرارية وهو المنطق الذي يقفز على التسطيح والسذاجة اللتين لا تصنعان الحدث  ولا تنشئان التاريخ.

غير أنه ومن حين إلى آخر تطفو على السطح ممارسات تعيد الأسئلة إلى بداياتها وتشكك في محصّلة التجربة. ولولا أنها تبدو  نشازا  في المشهد العام سرعان ما تتدخل عوامل عديدة وأطراف ذات صلة لتصحيح الخلل لقلنا إن الأمر مقلق، إذ كثيرا ما يخلط رجل الإعلام الذي يقدم خبرا أو أخبارا بين بناء  الخبر وجمع المعلومات من مصادرها وأطرافها، وبين انزلاقه وجنوحه نحو نزوة التعليق وإبداء الرأي بصورة مباشرة ومقززة مباشرة لأنها تفتقد المهنية، ومقززة لأنها تعتمد لغة التهجم والشتم وإخفاء عناصر الخبر لحساب الاندفاع نحو  الرأي الشخصي. ولست متحاملا على أحد إذا قلت أن هذا للأسف يحدث بصورة أوسع في مجال الإعلام الثقافي، إذ لم يصل معظم الصحافيون في هذا التخصص إلى التفرقة بين كونهم صحفيين وكونهم أدباء أو كتابا أو مشاريع في هذا الاتجاه، فتراهم يستغلون صفحاتهم أو المساحة المخصصة لهم لمتابعة حدث أو خبر معين لإبداء رأيهم الذي كثيرا ما يكون تعليقا مباشرا إصدارا لحكم متحيز ضاربين عرض الحائط ما يخلفه هذا التعليق من إخفاء للحقيقة في ظل غياب المعلومة والمعطيات الكاملة المستقاة من مصادرها ومن جميع الأطراف، واليوم صار من الضروري أن يتم الفرز بين الرأي الشخــصي للصحفي وبين تناوله لخبر معين، فالرأي والتعليق ممكنان ولكن المعلومة الكاملة مقدسة حتى نعطي للقارئ أو المستهلك حق إبداء رأي حر أوتعليق مختلف.

إن العلاقة الناشئة بين القارئ وبين المنبر الإعلامي هي علاقة ذات أهمية كبيرة ليس على المستوى التجاري كحجم مقروئية ولكن كعلاقة لا بأس أن استعير لها مصطلح ” الحق في الخدمة العمومية ” وهذا الحق يعطي للقارئ إمكانية المطالبة بعدم تسلط  المنبر الإعلامي وفرض هيمنته في جانب خط الجريدة العام، بمعنى أن

للقارئ الحق في انفتاح الجريدة وتحررها من ضغوظات الممولين والمالكين في مسألة توجيه الخبر والتعليق و التحقيق. ولابد هنا من الإشارة إلى أن هذا الحق هو الذي لا يلصق بالجريدة الصفة الحزبية أو النضالية، فتوجيه الجريدة في خط افتتاحي موجه من طرف الملاك والممولين (مباشرين أو غير مباشرين)هو عمل سياسي وحزبي، وتتحول الجريدة، وهي تقوم بذلك، إلى جريدة حزبية بمفهوم جديد وإن كان الظاهر من موضوعاتها وما ينشر فيها أنه لا علاقة له بالسياسة. فالتركيز مثلا على العودة لفضح مقاول معين مرة ومرات هو سياسة القصد منها إسقاط هذا المقاول وبالتالي ضرب مجموعة مصالح. إن هذا العمل الإعلامي الحزبي الجديد هو ما ينبغي استنكاره وفضحه وتعريته من خلال نقاش مفتوح وموسع، وخاصة من طرف مجموعات الصحفيين الذين يجدون صعوبات في انسجام تطلعاتهم مع هيمنة الملاك والممولين و أصحاب المقاولات الصحفية. و لايخفى على أحد حجم الصعوبة التي تواجه هذه المهمة باعتبارها تصطدم بسوق عمل صعبة للغاية.

إن وجود مثل هذا الواقع الإعلامي الهزيل في الساحة الوطنية حرم الجزائريين من صحافة حرة ومسؤولة وذات مستوى يتجاوب مع الطاقات الفكرية والإعلامية التي تكونت عبر سنوات الخبرة والبناء المتواصل للذات المبدعة ميدانيا من خلال احتكاك وتفاعل يومي مع الحركية الاجتماعية الشاملة.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الضعف قد أثر على جانب ذي أهمية بالغة في مسألة البناء الديمقراطي وإعلاء قيمة الحرية الإعلامية أو بناء تعددية إعلامية حقيقية جادة وغير “حزبية” وهذا الجانب هو “جناية الإعلام الحزبي” على نمو المجتمع المدني فمن العيب التحدث عن دور لهذا المجتمع المدني محليا ودوليا في الوقت الذي لا تساهم فيه الصحافة في إعطائه مساحة كافية للتواصل مع المجتمع. لهذا فإن إعادة النظر في الخارطة الإعلامية في الجزائر بات مسألة ذات أهمية لإرساء ديمقراطية غير شكلية وغير محاصرة كرهينة بأيدي أناس ملاك وممولين عطلوا حركية المجتمع وقمعوا تطلعاته العميقة نحو مستقبل متجدد وأفضل. 

                             نشر في جريدة الشروق الجزائرية باسم مستعار بعلم

                                مسؤوولي الجربردة خلال سنة 2005 

                               ويصدر قريبا ضمن كتاب قيد السحب

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الإعلام المجتمع المدني, السلم بقسنطينة, سطيف ثقافة, قسنطينة ثقافة, محمد زتيلي, نادي فكر وفن بسطيف, نادي فكر وفن بقسنطينة | السمات:, , , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر