عودة حمارالحكيم

كتبهاmohamed zetili ، في 31 مايو 2008 الساعة: 18:08 م

عودة حمارالحكيم

  … محاورات حرة مع حمار حر…

للكاتب: محمد زتيلي

“هذا نص من بين نصوص كتبت بين 1985 و 2004 نشرت في منابر إعلامية عديدة -أضواء - النادي الأدبي لجريدة الجمهورية بوهران - النصر - جسور -  ثم صدرت في كتاب بعنوان “عودة حمار الحكيم” سنة 2007 

عن وزارة الثقافة الجزائرية في إطار الجزائر عاصمة الثقافة العربية” 

*********

من ربط الحمار وهرب؟

ليس سهلا أن يصدقك الناس عندما تخبرهم عن أمور جرت لك مع حمار، ومن المؤسف في الأمر أن الناس يصدقونك إذا حدثهم عن كلب أو هر أو فأر، أما أن تحدثهم عن حمار  فهذا مثير  لاستغرابهم ومجلبة لسخريتهم رغم كون الحمار أطيب مخلوقات الله، يخدم كل من يطلب خدماته بدون شروط أو تردد، ويتفانى في تأدية الخدمة حتى تحسبه مقتنعا مؤمنا بما يقوم به، فلا يظلمك حتى وأنت تمعن في ظلمه، ولا يركلك بإحدى قوائمه حتى  تبالغ في إهانته إلى الدرجة التي لا يقبلها حمار، وهي الدرجة التي يصفها الفلاسفة بأنها أرقى درجات الحلم والصبر والوداعة.

 فكلما حدثت أناسًا وقلت لهم بأن حماري يسكنني ويرافقني… ضحكوا… وقهقهوا… وحدقوا في وجهي مبتسمين وكأنهم فهموا رغبتي خطأ وهي الطمع في ضحكاتهم أو إضحاكهم، مما يجعلني أتأملهم مندهشا مؤكدا بأن حماري يسكنني بالفعل!  لكنهم  لا يتوقفون عن الضحك بل تزداد قهقهاتهم ارتفاعا وتنغيما فأنصرف عنهم مفضلا إبقاء سر حماري لي وحدي.

وبعد فترة قررت التوقف عن البوح بما يملأ صدري وأصبحت أتدفأ بنار العشق والصداقة في صمت حتى انقلب السحر على الـسـاحر وصار السؤال الذي انقطع فترة يطرح نفسه بشكل مغاير تماما.

- كيف تركت حمارك حرا طليقا؟

- أو أين تركت حمارك مربوطا بدون علف؟

مثل هذه الأسئلة كانت في البدء تفاجئني فأتصرف مع السائل بأي شكل يضمن سلامتي والســلام، ثــم صارت هــذه الأسئلة عادية ومتوقعة في كل لحظة فأجيب بسؤال آخر صار جاهزا وتلقائيا.

- عن أي حمار تتحدثون… فهم كثير؟

فيؤكدون لي بوثوق مقصود.

- لا تجعل أمر حمارك سرا بينكما، إنه شخصية وطنية  من حقنا معرفة أخبارها.

عندها أحتار، كيف هذا؟ وألومهم بقسوة ومرارة، فهم من جهة لا يعرفون حماري وهو نكرة، وشأنه شأن الدهماء من خلق الله، ومن جهة أخرى هم أعرف الناس به وأكثرهم احتراما وتقديرا لمقامه, وأبحث عن تفسير لذلك لدى هؤلاء المحيطين بنا فأهتدى إلى أنهم بقدر احترامهم لمن هم أهل لذلك تراهم يكتمونه ويغلفونه بطبع مبطن بالبخل والحسد أو الغيرة أو كل ذلك مع كل ذلك.

وهكذا استمر الحال شهورا وأعواما، وأنا كالذاهل عن مقاصده، بين مد وجزر، بين البوح والكتمان، بين المكاشفة والغموض حتى حصل معي ما ليس بإمكاني تصريفه بحسبان, ذلك أني رأيت فيما يرى النائم سحابة سوداء كثيفة تغطي السماء كلها وتحجب أشعه الشمس. وفجأة أظلم المكان فاحتار الناس هل هو الليل أم النهار؟؟ فالديكة صاحت قبيل آذان الظهر، وطار الدجاج إلى  أعشاشه، وراح الناس يسرعون إلى بيوتهم محكمين غلق النوافذ والأبواب. وقفل أطفال المدارس عائدين ولم يكملوا نصف دوامهم، ولم يعد أحد بإمكانه أن يفسر ما يجري، سكارى وماهم بسكارى، حيارى وما هم بحيارى، كل يفسر ويشرح ويوضح، لكن كثافة السحابة في ازدياد. ورأيت فيما يرى النائم حيوانا خرافيا يخرج من وسط السحابة الدكناء وينـزل بكلكلة على صدري فصرخت بأعلى صوتي متلفظا بكلام أو أصوات أو هذيان وعندما أفقت رأيت أهلي يحيطون بي و يمسحون جبيني بالماء البارد ويبسملون ويحولقون، بينما ظللت أردد:

- الحمار، الحمار ،الحمار.

فلما تبينوا كلماتي التي تخرج من بين شفاهي انفضوا من حولي غاضبين:

- هاهو قد عاد إلى تخاريفه، أحضروا ” الطالب” ليطرد هذا الحمار الذي يركبه ثم راحوا يتحدثون فيما بينهم وكأنهم شخصوا مرضي وعرفوا علاجه والسَّلام، وقال أحدهم:

- لقد سمعنا عن كلب أصفر يسكن آدميا، كما سمعنا عن دجاج يسكن مرضى الطاعون والحمى وهذيان الجوع، أما الحمار فما معناه وما دوافعه؟؟

فلما حضر ” الطالب”  وأشعل أهلي جمرا ووضعوا للطالب صينية تحت قدماي وراح يمرر سكينه على جبيني وخدودي وأصابع قدماي، ويسأل أثناء ذلك بصوت عال:

- من أين تخرج وإلا أحرقتك؟

- أخرج من صدره الذي أسكنه.

- لا أقبل ذلك لأن هذا يعني موته

- أخرج من بين الصلب والترائب.

لا حول و لا قوة إلا بالله، متى رأيت رجلا يحمل ويلد؟ أنت لا شك حمار.

وظل الحوار جاريا بين “الطالب” وبيني، أو بين “الطالب” وبين الصوت الغريب الذي لا يشبه صوتي ولا يختلف عنه كثيرا أو ربما يشبه  صوت حيوان، فلأصواتنا قواسم مشتركة مع أصوات الحيوان سيما في حالات الصراخ والغضب واستخدام الأيدي والأرجل وفجأة قبل الصوت أن يترك جسدي خروجا من أصبع رجلي اليسرى، ودليل الخروج قطرات الماء الطالعة من الإناء الذي اشترط وضعه تحت قدمي، وما هي إلا ثواني أو دقائق أو ساعات عاش خلالها جسدي أصعب اللحظات يتصبب منه عرق بارد وسط حمى راجفة حتى إرتفع الرذاذ ليبلل كل من كان حولي، فأفقت بعدها وأنا أقول:

- ماذا تريدون مني، ماذا جرى ، لماذا تجلسون حولي، هل أنا مريض؟؟.

وسمعت عددا منهم وهم يرددون الواحد تلو الآخر، الحمد لله الحمد لله الحمد لله.

وهنا سمعت نهيقا عاليا اخترق مسامعنا جميعا، أما أنا فقد عرفت النهيق وصاحبه، فوقفت مسرعا باتجاه مصدره. أماهم فظلوا يقولون:

سبحان الله لقد كان حمارا يسكنه.

نشر هذا النص أولا في جريدة النصر في 19 فيفري 2004

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سطيف ثقافة, عودة حمار الحكبم, قسنطينة, قسنطينة ثقافة, كتابات ساخرة زتيلي, نادي فكر وفن بسطيف, نادي فكر وفن بقسنطينة | السمات:, , , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر