الشعر ذروة النثر لدى زتيلي
كتبهاmohamed zetili ، في 5 يونيو 2008 الساعة: 20:12 م
مقدمة ليست طللية
بقلم الشاعر: محمد زتيلي
تصدرت هذه المقدمة الأعمال الشعرية للشاعر الصادرة عام2007
-1-
الشعر ذروة النثر.
والشعر حالة التجلي العظمى للنثر.
والشعر تلخيص وتكثيف للجميل في الحياة واللامرئي.
والشعر هو الحكمة، والحكمة هي عصارة التجربة البشرية ملخصة ومكثفة.
والشعر هو حالة الصفاء العظمى للوعي.
والشعر هو الوعي في تجلياته تعبيرا عن حالات الإنتصار والإنكسار.
والشعر هو أزهار شجرة المعرفة، وبدون هذه الشجرة لا يكون الشعر، وبدون مناخ ملائم طبيعي وصحي لا يكونان معا.
والشعر هو لحظة فرح أو حزن، سعادة أو تعب، يقبض عليها العقل فيصبها ويعجنها بوسيلة اللغة. وليست اللغة وسيلة محايدة، إنها في أكثر اللحظات تجسيد حي للشعر.
وعندما نقول الشعر نقول الشاعر، والشاعر هو القصيدة، والشاعر هو الأعصاب الحية النابضة للزمن، وهو الجغرافيا والتاريخ والآمال والعواصف التي تفاجئ تجربة التجربة.
والشعر هو التمرد على السائد الميت الأعصاب.
والشعر حالات لتخطي كل ما هو عادي ومألوف.
الشعر هو الإضافة الكبرى في مسيرة البشرية.
والشعر فضح للزائف في النفس، وقتل للرغبة في المهادنة والركون للمسلمات.
والشعر تعرية دائمة عن الجميل والمشرق، وتقديم للمحظور في علاقته الإنسانية الخالدة.
والشعر إلغاء للجفاف، وسقي لليبوسة.
والشعر ليس مبنى ومعنى، وليس لغة وموسيقى، وليس تصويرا للتجربة الإنسانية الكبيرة، وليس نقلا للجميل في حياتنا، إنه كل ذلك في كل ذلك، وبدون ذلك لا يكون الشعر شعرا، ولاتكون الكلمات المرصوفة قصيدة، وبدون ذلك كله تصبح الكتابة عملية محاصرة فجة للكلمات الشاردة في أغوار ومتاهات وفضاءات الذاكرة.
والشعر ليس ماركة مسجلة، ذات مقاييس محددة، ومواصفات مضبوطة سلفا، إنه تفتيق لكل ذلك ليقدم ماركته مرة واحدة ووحيدة.
والقصيدة لا تدخل نفوسا بورا، ولا تطرق أبواب العقول الجرداء، ولا تتصالح مع البلاهة والموت، كما لا تتواضع لتكون ضيفا ثقيلا في مأدبة اللئام، الشعر اعتزاز وكبرياء ولكنه حرب على الفظاظة والمتاجرة بنبض الأسئلة القلقة.
يوجد اليوم من يشنون الحرب على الشعر، حربهم فجة، وغبارها كغبار الخيول العرجاء العائدة من هزيمة ثقيلة.
يعلنون كلما سنحت لهم الفرصة بأن الشعر قد مات وانتهى وأن الزمن الحالي هو زمن النثر، هؤلاء المعلنون يعتقدون أن مثل هذه الأحكام تخدم النثر وتدفعه نحو الأمام خطوات كبيرة، وهؤلاء يعتقدون أن موت الشعر علامة صحة في مسيرة البناء الثقافي يهلل لها ويبشر ببلوغها، وهؤلاء المعلنون يعتقدون أن الشعر تعبير عن حالة بدائية الإنسان وبساطته المنسجمة مع التخلف، وبالتالي فإن موته يعني بداية السير نحو الأمام.
ليت هؤلاء يدركون أن تقهقر الشعر هو إنذار أول بتقهقركل المسيرة الثقافية، وأن ازدهارها هو الشرارة التي تنبئ بكل ما هو صحي وسليم في الحياة بجميع جوانبها.
إن الإعلان، بل والفرح لموت الشعر يعني أن الذات ما زالت غير قابلة للتأقلم مع التقدم، وأنها ما تزال مشدودة إلى السائد الرتيب.
ليس هناك عصر إرتقى فيه الشعر ارتقاءا وكان ذلك العصر موسوما بالتخلف والإنحطاط، وليس هناك عصر عرف فيه النثر تطورا وتقدما في غياب تطور الشعر.
إن الشعر موجود في كل أنواع الفنون ولا سيما في النثر، وقد كان الشعر وما زال مسؤولا عن تطور أو تقهقر النثر.
وكم كان مفيدا لو سمع بديلا عن أولئك المعلنين حسرات على ما آل إليه الشعر من رتابة ونمطية حتى كاد يخجل من أن يحمل إسمه.
وكم كان مفيدا لو آرتفعت أصوات تشرح وتحلل وتحاجج في مستوى النثر بصفة خاصة والثقافة بصفة عامة.
فهل يعتقد الفاهمون معلنو موت الشعر أنهم بذلك يخدمون النثر أم يسيئون إليه ويضرونه كما يضرون الشعر.
لم يعرف أن أمة إرتبط الشعر بروحها وكيانها كأمة العرب.
ولم يعرف أن أمة فرحت بموت الشعر كأمة العرب.
ولم تعرف أمة تعتقد بإمكان تطورها وشفائها بدون ثقافة كأمة العرب.
ولم تعرف أمة تفصل أجزاءها لتقتلها كأمة العرب.
ولم تعرف أمة تفرح وتسعد حين يموت عضو في جسدها كأمة العرب.
ولم تعرف أمة تحقد على المعرفة وتعاديها كأمة العرب.
ولم يعرف تراث حضاري أغنى من تراث حضارة العرب.
ولم تعرف أمة ساهمت في حضارة البشرية كمساهمة أمة العرب.
ولم يعرف حقد وضغينة مثل الذي يحمله الأعداء لأمة العرب.
ولا أعرف شعرا كتب بلغة بلغ عمرها عمر لغة العر ب، وظل خلال كل مسيرته يحقق الإنجازات والإضافات الكبيرة.
فمن كانت نفسه عدوة للشعر فإنها عدوة للإنسان.
ومن كان عدوا للإنسان فإنه لا يستطيع إلا أن يكون عالة على المجتمع والتاريخ.
نشر هذا النص قي جريدة النصر/الأربعاء 25 فيفري 1987
-2-
نعم، قد يقول قائل: أي دور بقى للشعر في زمن يبدو أن كل شيء فيه ضد الشعر؟
هل هذا صحيح؟ هل أن زمننا هذا هو حقا زمن اللاشعر؟
وهل هناك زمن يمكن أن يوصف بأنه زمن للشعر؟ وآخر زمن اللاشعر؟
بداية أعترف بأنني أشعر بالخوف والإرتباك حينما أتحدث عن الشعر، الخوف من عتاب الذات، من عتاب الروح، من عتاب الأعين الدامعة.
فأين هو الزليج ذي الورقات الزرق والأروقة المتقاطعة البلورية؟
أين هي العتبات العرعارية؟ أين هي المطارق الطويلة النحاسية والحديدية الصلبة التي تزين الأبواب الواقفة المطمئنة إلى عمرها؟
أين هو الدرابزي والمشربيات الخشبية المنحوتة من هدوء الزمــن المتدفق حبا وتوددا؟
أين هي الشوارع الرقراقة المتزينة بالورد وشجر الكلام؟
أعترف بأن الكلمات لا تكون إلا في فضاء المعنى، كما أن الكلمات هي المعنى.
والرصاصات لا تكون طائشة إلا عندما يتعب المحاربون فلا تصيب أهدافها.
إن المدينة التي تحيط بنا أونحيط بها لم نتمكن من جعلها المدينة التي نكتبها، التي نحلم بها، التي تتربع في أعماقنا، فهل تحول الكلمات دون صنع الطلقات؟؟
كثيرا ما نحتفل بالطلقات التي حفرت الأخاديد الكبيرة، الأنهار الهدارة، الأبحر الأجاجة، الأطلس الذي يخشع لذكره الشعراء والثوار.
فما الذي جعل طلقاتنا بعدها طلقات لا تصيب أهدافها إلا لماما؟
هل ترجل الفرسان ليستريحوا ؟
وما الذي تسلل لذواتنا ليحيلها أمكنة خربة كتلك التي مرت عليها جيوش جرارة ودبابات ذوات سلاسل تقتل قرقعاتها الأطفال والصبيان والأشجار؟
أي جواب يمتلك الشجاعة للمثول أمام محكمة التاريخ شاهد عدل وصاحب كلمة؟
أي جواب سيكون غيرحان للرأس، غير خائن للوظيفة، غير هارب من إتمام السير باتجاه مسار النهر؟
إن الشعر والشاعر وهو ينطلق من الروح مجنحا في فضاء الأسئلة، محلقا بأجنحة رفرافة، يجنح دائما نحو لغة الإعتراف المشبعة بالصدق وكثير من التواضع أمام كبر النفس، فيقع بكل طواعية وإرادة في طقوس الكشف، كشف المعنى وتعرية ما يظن أنه الحقيقة الشفافة.
كثيرا ما يبدأ الشاعر من أقرب مساحة يقف عليها ليسقط عليها ضوء الكشف والإعتراف غـير آبـه بتـكـشف الذرات وخلخلة الغبار.
غير أن متصيدي اللحظات الجميلة سرعان ما يتداعون عليها لإطلاق رصاصهم!
لابد إذا أن نفصح ونسقط النقاب عمن يقومون بهذه الأدوار، هؤلاء الذين إذا كتبوا أقاموا المناحات! لا شيء في نظرهم يستحق الذكر أو يدفع للبوح والكتابة، ولا يحيط بنا خراب يستوجب الرثاء!
ولنعترف بأن مثل هذا التوجه راسخ في أعماقهم الفقيرة للصفاء وللنقاء!
نعم، من السهل على القلم أن يجري إذا لم يضبطه العقل وتقومه الحكمة.
والشعر ليس ككتابة أي شيء، إنه الكتابة الطالعة من الذات الحرة المتطلعة إلى آفاق الإنسان التي لا حدود لها.
ومن حسن حظ الشعراء أن كتابة الشعر ليست واجبا دستوريا.
ومن حظهم أنها ليست شرطا من شروط المواطنة.
ولكنه الكتابة الحرة التي تؤسس للحرية وللفعل الحضاري ولإنسان يبنى دائما ولايهدم أبدا.
فطوبي للذين يؤمنـون بـالشعر وبالحرية المرفرف في أفقهما الأمل المفتوح على كل ما هو رائع وجميل.
نشر هذا النص في جريدة الخبر 2005
قسنطينة / محمد زتيلي/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : lمالك جداد, قسنطينة, قسنطينة ثقافة, مفالات, نادي فكر وفن بقسنطينة | السمات:lمالك جداد, قسنطينة, قسنطينة ثقافة, نادي فكر وفن بقسنطينة, مفالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























