ثقافة الحقبة السعودية الأمريكية زتيلي 1991
كتبهاmohamed zetili ، في 30 يوليو 2008 الساعة: 13:00 م
سقوط ثقافة
الحقبة السعودية الأمريكية
بقلم: محمد زتيلي
لم تسلم الثقافة العربية المعاصرة من أمرين أثراعلى سيرها تأثيرا كبيرا.
الأول: التواصل الذي حققه عصر الإنحطاط، و تتويجه بالإستعمار.
الثاني: التقسيم الذي مس ذاتها، وكان ناجما عن التقسيم الذي مس جميع المنظومات السياسية والثقافية الدولية نتيجة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي و الغربي. ولابد من الأخذ بعين الإعتبار واقعا حيا متمثلا في أن العالم العربي الاسلامي الذي كان خاضعا لهيمنة استعمارية استطانية دامت عشرات السنوات، إنما كان خاضعا في الحقيقة لدول غربية متواجدة في الخندق الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية.
من هنا لا نجد صعوبة في فهم سرعة الإلتقاء بين حركة التحرير الوطني في البلدان العربية وبين المنظومة الإشتراكية بقيادة الإتحاد السوفياتي الذي رفع منذ البداية شعار القضاء على الإستعمار وتحريرالشعوب من الإستغلال والظلم الذي تتعرض له على يد الدول الرأسمالية الإستعمارية المبنية على التوسع وابتزازثروات الشعوب واستغلال الإنسان. وبذلك أيضا استطاعت الحركات الوطنية المكافحة من أجل السلم والعدالة وتحرير الشعوب من بقايا الإستعمار والتبعية من الإلتقاء فيما بينها. وهو ما جعل هذه الحركات الوطنية في أعلى درجات وعيها الثوري ممثلة في الثورات المسلحة تجد الدعم والمساندة من طرف المنظومة الإشتراكية دون أن تلقى سوى القصف والتدمير الشامل والجهنمي من طرف المنظومة الرأسمالية الغربية بترسانتها العسكرية ممثلة في الحلف الأطلسي . وهو ما يفسر لنا بدهية الإجابة على سؤال كثيرا ما يغفله أصحابه بقلق غير مؤسس، وهو لماذا تبنت الدول التي خاضت تجارب الكفاح الوطني السياسة الإشتراكية بعد حصولها على الإستقلال السياسي؟ و في ظلها انتقلت الثقافة والفكر العربيين من مرحلة الأدب والفكر النضاليين إلى مرحلة أدب وفكر البناء و التأسيس الذين عملا على تمثل مهام البناء الوطني وإتمام مهمة الإستقلال الإقتصادي و تحرير الإنسان بعد تحرير الأرض.
وقد استطاع الفكر العربي الإسلامي أن يحقق في ظل هذا التوجه أهدافا لا يمكن للدارس النزيه التقليل من أهمية نتائجها/ ويمكننا أن نذكر من بينهما ما يلي:
تعميق الوعي النضالي، وإعادة البعد التحرري للفكر والأدب العربيين بعد عصور الظلام والتجهيل والتفقير الفكري والروحي، وتخليصه من سمات الخرافة والشعوذة المشلتين للطاقة الذاتية للأفراد والجماعات.
وفي نفس هذا السياق تمت العودة لدراسة التراث العربي الإسلامي و تحقيقه ونفض غبار الدروشة والخرافة عنه وإعطائه مهمته الأساسية المتمثلة في دفع المجتمع نحو المستقبل بدل دائرة تقديس الماضي بجزئياته وقطع جسور التواصل بينه وبين العصر المتحرك وفق شروط و آليات متجددة.
ويستطيع الملاحظ الموضوعي تصور مدى الحركية الإجتماعية التي يمنحها هذا العمل لمجتمع هو المجتمع العربي الإسلامي المؤهل روحيا و تاريخيا للتجاوب العميق مع مثل هذا الجهد الخلاق.
إرتباط الثقافة العربية بمشروع اجتماعي كبير وشامل يحقق الإبداع داخل ذاته ويؤصلها وفق منظور عصري متفاعل بروح نقدية عالية مع محيطه العالي غير غافل عن مهامه الأساسية في رفع المجتمع نحو الأمام وتمكينه من أسلحة ممارسة حريته و إنجاز كيانه.
غير أن تلك المنجزات على أهميتها لم تكن في مستوى الأهداف الكبرى التي نشدتها الحركات الثورية التي حققت الإستقلالات . لكون هذه الحركات الثورية لم يكن أمامها مجال يمكنها من تبني مشروع أبعد من مشروع الإستقلال السياسي. وهو ما جعل مهمة أجيال الإستقلال صعبة ومهمشة نتيجة ملابسات تعرض لها أسلوب الحكم والتسييرفي البلاد المستقلة. وقد تأثرت الكتل السياسية داخل البلد الواحد بما يحدث على صعيد الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. وبقدر الرصيد النضالي للبلد، وبقدرالنضج الذي تتمتع به حركته الوطنية بقدر ماكان التقليل من حجم الخسارة كبيرا، و التقليص من دائرة التبعية مهما. غير أن المنظومة الإشتراكية نفسها لم تستطع أن تقطع خطوات توصلها إلى درجة اللاعودة نتيجة عوامل أهمها.
أولا: كون التجربة في بلدها الأم حديثة العهد، و تعرضت لأنماط من الفهم والتطبيق أضاعت لها كثيرا من فرص النجاح و الوصول إلى إنجاز المثال.
ثانيا: كون البلدان حديثة الإستقلال قد تبنت منذ البداية الإنضواء في المنظومة وهي غير مؤهلة لتجاوز التناقضات المترسبة في أحشائها من العهد الكولونيالي وعصور التفقير الفكري.
ثالثا: كون نمط التسيير المتبع (نتيجة للنقطة الثانية) تحت شعار الإشتراكية لم يقدرعلى استعاب روحها. وعمل باتجاه يتناقض مع الطموح المعلن. وهذا راجع بالدرجة الأولى إلى أن الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي ومازال يجري داخل البنية وليس خارجها فقط. أي أن الغرب الرأسمالي نجح، نظرا لتجربته ولإمكاناته، في تحويل منجزات البناء الوطني إلى قواعد اقتصادية تابعة للمنظومة الرأسمالية، وقد عمل مشروع أمريكا على رفع سعر البترول مع مطلع السبعينات للتمهيد لتحقيق مرحلة عرفت بمرحلة المنجزات الإشتراكية وهي التي تتحول في كل المنظومة الإشتراكية إلى قواعد يتم ترتيبها وهيكلتها للدخول في آلية اقتصادية جديدة تلتقي فيها المفاهيم الإشتراكية مع المفاهيم الرأسمالية في خلاصة توافقية لبعض المحللين تسميتها بمرحلة ما بعد الرأسمالية والإشتراكية، أو كما يسميهاالاقتصاديون الاصلاحيون في العالم الاشتراكي باقتصاد السوق.
و لايجد المحلل صعوبة في مقابلة انخفاض سعرالبترول وفق مخطط أمريكا عن طريق استخدام حلفائها في المنطقة وفي مقدمتهم السعودية بانتشارما أطلق عليه الصحوة الإسلامية التي أسندت لما مهمتان أساسيتان في مرحلة الإمبريالية الأميركية المهيمنة على كل العالم وهما:
الأولى: تحميل إخفاقات التنيمة للسياسة الإشتراكية.
الثانية: وهي نتيجة للأولى، إعطاء الشرعية للبديل ممثلا فيما أسمته بالصحوة الإسلامية كخطوة أولىوقد استخدمت أمريكا لهذه المهمة السعودية لضرب قوى التقدم و التحرر في المنطقة العربية والعالم الإسلامي ملصقة إياها مختلف التهم.
فلكي تنتهي قوة الإتحاد السوفياتي في مواجهة أمريكا لا بد من إبعاده عن مناطق البترول والتحكم فيها وامتلاك القرار الوحيد في المنطقة. ولعل ما جعل مثل هذا الكلام يأخذ حجمه الموضوعي هو التقلص التدريجي للدور السوفياتي في المحيط الدولي الذي كان يشغله. وكان هذا التقلص يسير بسرعة مذهلة صفق لها الغرب واعتبرها شجاعة كبيرة في النقد الذاتي واعترافا بالتراجع عن الخطأ وبالتالي اقتناعا بإعادة البناء.
و الحقيقة أنه إذا كانت السياسة الإشتراكية تتضمن بالفعل الخلل الذي وجه إليها أو وجهته إلى نفسها، وتحتوي في ممارستها على التناقضات العميقة التي تجعل بموتها فقد استغل نقدها الذاتي لنشر غسيلها بصورة بولغ في تضخيمها والتشهير بها، وكأن الرأسمالية لا عيوب لها ! وهي أم الأنظمة الإستعمارية العدوانية في العالم.
لأن القصد من تضخيم حجم فتات النقد الذاتي الذي يسقط من مائدة المنظومة الإشتراكية هو فرض الهيمنة الأمريكية على العالم، وهو ما تسميه بالنظام الدولي الجديد.
وفي مثل هذا الظرف نشطت الحقبة السعودية على حد تعبير الصحفي حسنين هيكل، وتفننت أمريكا في نسج خيوط مسرحية هذه الحقبة وتضافرت عوامل لا حصر لها داخلية وخارجية من أجل نجاح الولايات المتحدة للتحكم في المنطقة. ووجدت الدول العربية التي تمتلك رصيدا في النضال الوطني من أجل التحرر نفسها قد أعيقت عن استثمار كاف لعلاقتها بالمنظومة الإشتراكية. وبالمقابل وجد الإتحاد السوفياتي أنه من الضروري انتهاج سياسة جديدة لا تعتمد على الترغيب والأخذ باليد وملاحقة الشعارات ذات الثمن الباهض في مواجهة شرسة الآلة الإمبريالية الأمريكية.
وفي مثل هذا التوتر الحاد واعتماد منهج جديد في العمل أسندت الولايات المتحدة الأمريكية للسعودية مهمة أساسية في المنظمة العربية الإسلامية وهي ملاحقة وسحق منجزات حركة التحررالوطني بما في ذلك جانبها الثقافي. ورأينا نتيجة ذلك كيف بدأت مع مطلع الثمانينات ملامح العقل تحتل مكانها الشعوذة والتدجيل الثقافي وأصبح الإبداع الصاعد من نضالات الإنسان وصراعه مع واقعه يبعد ليغرس مكانه كلام آخر يصبغ على نفسه صفة الشرعية الدينية لينتهي فيها.
.
واذا كانت الجماهير العربية والإسلامية قد فجعت وهي تكتشف فجأة- بعد سقوط الأقنعة- حجم تبعية السعودية للولايات المتحدة الأمريكية فان القوى الثورية والطاقات الفكرية المعادية للإستعمار بأشكاله تدرك من قبل حقيقة تلك التبعية، وكانت تتحدث عن ذلك كلما سنحت لها الفرصة، ولهذا فلطالما ألصقت بها القوى الرجعية العميلة للسعودية مختلف النعوت والصفات لعزلها عن الجماهير حتى تتمكن من تمرير خطاباتها. ولا يفوتنا هنا التذكير بدور الأنظمة العميلة التي تقف في خندق واحد مع الإستعمار ضد المثقفين الثوريين المعادين لمشروع الحقبة السعودية الأمريكية.
وقد جاءت حرب العراق ضد العدوان الأمريكي الغربي كآخر حلقة في الحرب الباردة بين المعسكرين. ومهما تكن نتائجها فقد سقطت أقنعة عديدة، وتعرت نوايا المشروع السعودي الأمريكي، وبدأ الإنسان العربي يستعيد الثقة في نفسه وفي إرادته وقدرته على الإبداع والتصدي من خلال المثال العراقي.
نشر بجريدة جسور 1991
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قسنطينة ثقافة, محمد زتيلي | السمات:قسنطينة ثقافة, محمد زتيلي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























