رواية:الأكواخ تحترق - م . زتيلي - صالح مفقودة
كتبهاmohamed zetili ، في 8 فبراير 2009 الساعة: 16:43 م
|
مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 306 تشرين الأول 1996
قصة " الأكواخ تحترق" قراءة: صالح مفقودة ـ الجزائر
محمد زتيلي، شاعر وكاتب وصحفي جزائري، خريج كلية الحقوق، جامعة قسنطينة عام 1975 م. وقد اشتغل في البريد، وفي الصحافة، فكان كاتباً لامعاً في جريدة "النصر"، ثم أسس صحيفة " جسور" الثقافية، وأسس بعدها جريدة "الشرق الجزائري"، بالاشتراك مع الكاتب الصحفي مصطفى نطور. من مؤلفات الأديب محمد زتيلي: 1 ـ الأكواخ تحترق. (قصة). 2 ـ فواصل في الحركة الأدبية والفكرية الجزائرية. 3 ـ فصول الحب والتحول (مجموعة شعرية). 4 ـ قصائد للعشق والذهول (مجموعة شعرية). 5 ـ ظلام الأيام الصعبة (شعر). 6 ـ انهيار مملكة الحوت (ديوان شعر). قصة الأكواخ تحترق تورد هذه القصة حكاية عائلة فقيرة، تتكون من زوجة وخمسة أبناء أما الأب فقد هاجر إلى فرنسا منذ ستة أشهر، تاركاً المسؤولية لأخيه مسعود الذي تكفل بإعالة أفراد العائلة، لكنه عجز عن ذلك، فعمله في الفلاحة كخماس (1) لا يكفي هذه العائلة مما آثار حقده على مالكي الأرض بالمنطقة، وقرر بدوره الهجرة بعد أن تشاجر مع صاحب الأرض التي يعمل فيها. ولكن هجرة مسعود لم تكن إلى الخارج وإنما هاجر إلى قسنطينة، وبعد مدة قصيرة يتعلم مسعود مهنة الخياطة ويقرر نقل عائلة أخيه إلى مدينة قسنطينة، حيث يؤجر لهم شقة. وبذلك تنتقل هذه الأسرة، لتعيش وضعية ليست بأحسن من الأولى ويهتم مسعود بجلب القوت للعائلة، في حين يبدي كريم الطفل الأكبر في العائلة رغبته في العمل ومساعدة عمه، كما يبدي الفتى شجاعة نادرة جعلته يظفر مصداقة كثيرة من أطفال الحي. ويدخل ضمن مجموعة ماسحي الأحذية، وبينما هو يقوم بهذه المهنة على أحد الأرصفة، وإذا بسيارة تدوسه وكان ذلك سبباً في وفاته. ولكم ترددت والدته ـ دون جدوى ـ على المحكمة وبعد مدة تعود الأم فاطمة إلى القرية مرة أخرى، فتحصل هذه المرة على قطعة أرض؛ وكذلك مسعود، وبذلك صار مسعود وفاطمة يخرجان عند الفجر ويعودان عند المساء، يعملان في أرضهما. وليس هذا فحسب، بل لقد انتخبت فاطمة رئيسة للتعاونية التي تنتمي إليها، ومسعود انتخب في مكتب الولاية لاتحاد الفلاحين. وقد ظفر مسعود وعائلة أخيه بسكن في القرية الاشتراكية، وكان يوم حصولهم على مسكن آخر عهد لهم بالكوخ الذي صار الآن يشتعل، وبينما الكوخ يحترق كان مسعود يقرأ الرسالة التي وصلته من الحاج الطاهر، يعرض عليه العمل كرئيس للورشة، ولكن مسعود يرفض هذا العرض، ويكتب رسالة في هذا الشأن يخبر فيها عن احتراق الكوخ، واحتراق أكواخ الفلاحين الآخرين، بعد أن حصلوا على مساكن جديدة. ويعود تأليف هذه القصة إلى زمن ازدهار الاشتراكية في الجزائر في مرحلة السبعينات، حيث انطلق مشروع الثورة الزراعية، وتأميم الأراضي، ومحاولة القضاء على الإقطاع، وإعادة الاعتبار للعامل والفلاح البسيط. والقصة ليست تسجيلاً حرفياً للواقع المعيش آنذاك: إذ أن فكرة هذه القصة قديمة في ذهن الكاتب محمد زتيلي الذي يقول في المقدمة: " عاشت أحداث القصة في ذاكرتي زمناً طويلاً، وعايشت أبطالها زمناً أطول، لكني شرعت في صياغتها إثر إعلان مديرية الإعلام والثقافة بقسنطينة عن المسابقة الأدبية السنوية، وأثناء الصياغة عشت لحظات الوضع الصعب وأنا أتلقى نبأ فوز هذه القصة بالجائزة الأولى غمرني إحساس جميل، وازداد إيماني بضرورة مواصلة الرحلة على درب الحرف والكلمة" (2). نحن إذن أمام قصة هامة، تأتي أهميتها من جانبين: الأول: إنها ليست مجرد قصة تسجيلية تقريرية، بل هي عميقة في نفس صاحبها.. عاشت الفكرة في ذهنه طويلاً. أما الجانب الثاني فيتمثل في تزكية هذه القصة من طرف مديرية الإعلام والثقافة ومنحها الرتبة الأولى. إن هذه القصة تخلص للواقع، وتقدم الحل المصيري المتمثل في ضرورة العودة للأرض، وما أحوجنا إلى هذا الأدب الملتزم. زمكانية القصة: أولاً: الزمان: زمان القصة هو الفترة التي بدأ فيها التوزيع العادل للأراضي، وتنطلق القصة لتضيء لنا حياة أسرة مسعود مدة من الزمن، ماضياً وحاضر ومستقبلاً على النحو الآتي: 1 ـ الماضي: لا يكشف الكاتب عن ماضي هذه الأسرة التي تدور حولها القصة، ولكننا نفهم من خلال النص أن هذا الزمن قد انقضى، وقد قضاه مسعود في خنوع مدة طويلة كانت كالليل الحالك، وقد هاجر أخوه إلى فرنسا لعجزه عن إعالة الزوجة والأولاد، فتركهم لمسعود الذي وقع في المشكل نفسه. أمام واقع صعب، وحاضر مزر، وإذا كان الزمن الماضي قد مضى في خنوع وخضوع فإن الزمن الحاضر سيكون بداية الرفض. 2 ـ الحاضر: تبدأ القصة من هذا البعد الزمني، فيبدو مسعود رافضاً لحياة الذل السابقة التي رضخ لها. حقاً إنه معروف بشجاعته منذ القديم، ولكنه لحد الآن لم يفعل شيئاً التغيير، أما اليوم (الحاضر) فهو نقطة البداية. يصور الكاتب البطل مسعود يسير في الصباح الباكر، وبذلك يضعنا الكاتب أمام الفكرة الجوهرية المشرقة كإشراقة الشمس، يقول زتيلي في بداية القصة: "لفظ الليل أنفاسه الأخيرة، ولم تبق سوى بعض الكتل السوداء تحاول في يأس الغريق أن تحجب عن الوجود أشعة الشمس التي تعيش لحظات الولادة الصعبة" (3). هذه الصورة تماثل تماماً الوضع الذي يعيشه مسعود، فكما أن الظلام يطارد الضوء، فكذلك حياة مسعود الجديدة تعرقلها الظروف الاجتماعية التي تظهرها أمام بطل الرواية، والمتمثلة في الرجعية الإقطاعية التي تريد الليل الطويل للخماسين، كي يواصلوا عملهم، غير أن الشمس تصعد، وتسطع، يقول الكاتب: "الأفق أحمر متوهج" واللون الأحمر يعني ضمن ما يعني الضياء وهو إضافة إلى ذلك لون الثورة الاشتراكية. مسعود إذن يبدأ الصراع، ضد الظلام، وضد الاستغلال بكل أشكاله، فهو ضد حتى أولئك الذين يهاجرون إلى فرنسا، ولذلك يقول للسعيد الذي أخبره بأنه سيهاجر إلى فرنسا: "ذاهب إلى فرنسا أيها الوغد، فرنسا التي هتك عشرة من عساكرها عرض أمك في الغابة دفعة واحدة، ثم صلبوها عارية في جذع شجرة، لا لشيء سوى لأنهم أمسكوها عند المغرب في طريقها نحو المجاهدين.. ذاهب إلى فرنسة أيها الخنزير لتكنس شوارعها، وتنظف مراحيضها، لاشك أن صورة أمك قد فارقت مخيلتك، وإلا ما كنت تتجرأ على الصراخ كأبله "أنا ذاهب إلى فرنسا". (4) هكذا إذن يتم التعانق بين الماضي والحاضر، الحاضر وليد الماضي، والبطل هنا تاريخي، ويعلن مسعود صراعه ضد كل أشكال الرجعية والاستغلال، بدءاً بالفلاح العجوز الذي هدد مسعود بأن يخبر الحاج عبد الله حالما يصل، غداً أو بعد غد، وما أدراك ما الحاج عبد الله، إنه الآمر الناهي، ولكن مسعود ذو العقلية الثورية الاشتراكية، التحررية والعمالية، يرد على هذا الخادم الأمين للحاج عبد الله قائلاً: "أنت والحاج عبد الله كلبان، لن اعتبرك رجلاً إن لم تنقل إليه الخبر" (5). ثم واصل مسعود شتم هذا العميل الصغير في قيمته والكبير في سنه "سيتزوج ابنتك الصغيرة سراً مثلما تزوج الأولى، لن نكتم الخبر هذه المرة" (6). وحين أتى الحاج عبد الله كان الفلاحون يحيطون به، ووصله خبر مسعود وحين سأل الحاج عن الفوضى التي أحدثها مسعود ضد أصحابه أجاب هذا الأخير بقوله: "ليسوا أصحابي، ومن نقل إليك الخبر ليس رجلاً" (7). مسعود يتحول إذن إلى الصراع العلني ضد الإقطاعية وعملائها، ولما قال الحاج: "كلهم رجال إلا أنت يا مسعود" (8) رد مسعود قائلاً: "بل كلهم كلاب وأنت مثلهم" (9) ولم يكتف مسعود بذلك بل "تقدم نحو الحاج عبد الله بسرعة وأصابه بركلة على بطنه" (10). وبذلك فقد تم طرد مسعود نهائياً من الحقل، بل هدده الحاج عبد الله بالقتل إن هو وجده على أرضه، وهكذا قوبل مسعود بالرفض لأنه رفضَ الوضع، وثار على حياة الذل، بل وتمنى أن تمتد الثورة إلى النساء اللاتي يبقين في انتظار أزواجهن المهاجرين مثل أخيه، يقول الكاتب على لسان مسعود: " لو كنت امرأة لفضلت أن أكون عاهرة على أن أنتظر زوجاً يضاجعني شهراً في العام أو العامين" (11). ولقد امتد رفض مسعود ليشمل حتى الأصدقاء في المقهى، فقد جلس مرة مع اللاعبين يحكم بينهم، وكان يردد في كل مرة: "من أجل الحق لا أخاف أحداً" (12). وقد قال له أحد أصحابه : " كل الأصدقاء يعتقدون أنك بدأت تتطاول عليهم"، واستغرب مسعود أن يكون أصدقاؤه قد ظنوا به هذا الظن من أنه لم يتصرف بما يدعوا إلى ذلك، وأصدر حكماً: "لستم رجالاً " (13). ومنذئذ صار مسعوداً عازماً على الرحيل، ويصور الكاتب في فصل ثان من فصول القصة "مسعود" في قسنطينة يصارع من أجل لقمة العيش ويتحول من خماس إلى عامل بسيط، وتنتقل الأسرة ـ كما أسلفنا ـ ويموت الطفل كريم، وتعود فاطمة إلى القرية، وتطلب من مسعود أن يلتحق بها، ويلتحق فعلاً. هذه هي أهم الأحداث التي نجدها في الزمن الحاضر فماذا عن المستقبل؟. المستقبل: إذا كان القاص قد أضاء لنا الخلفية التاريخية لبطل القصة، وركز على صراعه من أجل تحرير نفسه، وضمان قوت يومه، فإنه قد ترك أبطال القصة على بوابة المستقبل، فاطمة منتخبة كرئيسة للتعاونية التي تنتمي إليها، ومسعود منتخب في مكتب الولاية لاتحاد الفلاحين، ومشروع مسعودة تعبر عنه بقولها: "لا نريد خطباً كثيرة، واجتماعات مطوّلة.. أعطونا آلات، ونحن نحول الصخر تربة خصبة" (14). المستقبل ـ إذن ـ هو تغيير وجه الأرض، وتحويل الأراضي غير الصالحة للزراعة إلى أرضٍ خصبة، هذا من الناحية الفلاحية، وبالنسبة للسكن فقد تم وضع حد للأكواخ، فالأكواخ تحترق، وقد استخدم الكاتب الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال، لتبقى الأكواخ تحترق. وأمل مسعود الالتقاء بالرفاق هذا ما ورد في الرسالة التي وجهها إلى الشخص الذي كان يشتغل عنده في قسنطينة. يرفض من خلال قبول منصب رئيس ورشة. فقد أغناها عن ذلك حب الأرض والإيمان بالثورة الزراعية، يقول: " من الآن لن نقطع الكيلو مترات" لن نتعب بعد اليوم، وسيكون نشاطنا متزايداً" (15). ثانياً: المكان تتوزع القصة بين الأماكن التالية: القرية، ثم المدينة، ثم القرية، ففي الفصل الأول يصور الكاتب حياة الاستغلال في القرية، وكيف واجهها مسعود ورفضها، وبذلك فالقرية التي يصورها هي بيئة للاستغلال توجد بها ظاهرة الخماسة، حيث يعمل كثير من الفلاحين لصالح أقلية من ملاك الأراضي، ويدعي هؤلاء الإقطاعيون التديّن، فالحاج عبد الله يحمل اسماً دينياً بينما يتسلط في الوقت نفسه على الفقراء، ويتمتع بالأموال، يمتلك سيارة أنيقة، ويترفع عن إلقاء التحية على مسعود، كما تظهر لنا في هذه القرية أكواخ الفقراء التي تأوي الجياع، رغم انتشار بحر من السنابل الذهبية التي تذهب للمالكين غير الشرعيين لهذه الأراضي، كما يصور الكاتب مقهى القرية التي تضم الشباب والشيوخ معاً يقضون وقتهم في اللعب والتطاول على بعضهم. هذه القرية بهذه الوضعية يرفضها بطل القصة، والبديل عنده يختلف عند البديل الذي اختاره أخوه أو أضطر لاختياره، بل إن "مسعود يوجه نقداً لاذعاً للشخص الذي يود الهجرة إلى فرنسا، وهذا الشخص يمثل أو ينوب عن أخيه. يهاجر مسعود إلى المدينة فماذا يجد فيها؟؟ إن المدينة التي هاجر إليها يعشعش فيها الإقطاع أيضاً، وتنمو فيها البرجوازية المتعفنة، وحين يسأل مسعود عليوة عن حال قسنطينة يجيبه قائلاً: "كحال أهل البلاد، واحد يعيش ، ومائة تتفرج وتصفق" (16). من هنا ندرك بأن مسعود لا يمكن أن يهنأ له بال في هذا الجو، خصوصاً وهو يعيش ويشاهد لعب أصحاب المصانع بعواطف العمال البسطاء، واستغلال جهودهم، ومرة سأل مسعود أحد زملائه "كم الفرق بين القماش الأزرق والتركال؟!. ضحك زميله.. وتقديراً أسرع يجيبه : في التركال نتقاضى نصف دينار زيادة عن كل سروال، وتعجب مسعود: نصف دينار فقط، ولكنه في السوق يساوي ضعف السروال الأزرق، وقال صاحبه: وأنت ماذا يهمك من سعر البيع. قال مسعود: نحن المعنيين بالدرجة الأولى، وجهدك أنت هو الذي يباع بذلك السعر، وعندئذ يقول له صديقه: "إنك مريض بحمى الاشتراكية، ويحذره من أن يسمع الحاج هذه الكلمة لأنه لن يبقيه بعدها أكثر من ربع ساعة (17). إن صفة الحاج تلتصق دوماً بالإقطاعي، أو صاحب المصنع، في القرية والمدينة على السواء، فهؤلاء يحكمون باسم الدين، والإمام في قسنطينة حسبما أخبر عنه " علاوة" يمتلك نصف الحمام والدار المجاورة له. ويصف الكاتب في قستنطينة الأماكن الآتية: رحبة الجمال ـ رحبة الصوف السويقة ـ شارع العربي بن مهيدي. وقسنطينية لا تقل خيبة وتأزماً في نظر مسعود عن القرية، ومن ثم يضطر للعودة إلى القرية، ولكن القرية التي يعود إليها، ليست هي القرية الأولى، إنها قرية جديدة تحتضن الفلاح، فتمنحه الأرض توفر له السكن الملائم، وبذلك يعمل حراً من كل قيد، وهذا المكان الجديد هو الذي يتحقق من خلاله الأمل، إنه الفردوس الحقيقي والمنشود. صورة البطل من خلال فصول الرواية بطل القصة في المرحلة الأولى: البطل الأول في القصة هو مسعود، ويقتسم معه الأدوار شخوص أخرى وهو منذ بداية القصة يصارع الظروف والأقدار، ويقاوم التعسف، في هذه المرحلة التي بدأ فيها إحمرار الأفق يحارب الظلام الحالك، وقد قلنا إن الحمرة لون الثورة، وإن الظلام لون الاستغلال. ويبدو البطل في هذه المرحلة منطوياً على ذاته، يكثر من الحوار الداخلي (المونولوج) كما تبدو مطالب البطل محددة، فهو لا يهتم إلا بالأكل والماء والغطاء، وهو حين يقرر الهجرة والرحيل، إنما يهاجر من أجل القوت، وليس القوت بالأمر الهيّن، فالأكل والماء والغطاء هي الوسائل الماديّة لتحرير الإنسان. يقول الكاتب "إحساس متدفق يغمر مسعود، ويدفعه إلى الهجرة، إلى الرحيل، حيث الخبز والماء وقيمة الإنسان" (18). ومسعود حسبما يخبرنا الكاتب ابن شهيد، ومن ثم فهو يكره فرنسا، ويكره المهاجرين إليها، وهو متصف بالشجاعة منذ ذلك اليوم الذي خاض فيه النهر لإنقاذ الشيخ صالح من الغرق. يقول الكاتب: "لم يكن أكثرهم بدانة ولكن شجاعته وصلت حدود التهور، فكل سكان القرية يتذكرون قصة عام الطوفان، وقتها اقتحم مسعود مياه النهر المتدفقة الشديدة الانحدار لينقذ الشيخ صالح من الغرق، في الوقت الذي كان الجميع، الشباب والشيوخ، النساء والكهول، يندبون ويصرخون دون أن يتحركوا من أماكنهم" (19). البطل في المرحلة الثانية: يشعر البطل منذ الوهلة الأولى التي نزل فيها بقسنطينة يشعر بالخوف والضياع، يقول الكاتب : " وجد مسعود نفسه في مدينة أشعرته بالخوف والضياع من أول وهلة" (20). وقد كان في قسنطينة موزعاً بين العمل، والحنين إلى الأهل، والتفكير في الجنس ويصف الكاتب وصفاً دقيقاً البطل وهو يدخل المعهر، ويتحاور مع إحداهن. ولا يصف الكاتب بطله بالهوس الجنسي بل يصف كثيراً من سكان المدينة رجالاً ونساءً: وحتى جيران مسعود تأملوا الأسرة الفقيرة التي نزلت بينهم فقالت إحداهن عن مسعود وهي تستصغر سنه : " ربما ليس زوجها، أخوها أو سلفها". فقالت الأخرى: أعرف أنك تتمنين لو يكون ذلك " (21). والبطل نفسه يتساءل عن السبب الذي جعله كثير التفكير بالجنس ويجيب نفسه بقوله: لعلهن فتيات قسنطينة ذوات الأجسام الرشيقة، والحركات المملوءة بالعهر والطهارة، ولربما أحاديث رفاقي المدعمة بالوصف الدقيق لمناطق المرأة دون حياء، ولربما لا هذا ولا ذاك، وإنما الربيع فجر المناطق الجسدية الميتة من ذاتي" (22). ومن خلال الفصل الثاني في الرواية نعلم أن البطل عمره خمس وعشرون سنة قال ذلك مجيباً عن سؤال وجهته له امرأة في المعهر، وحين سألته إن كان ينوي الزواج أجاب بالنفي وعلل ذلك بأنه لا يملك شيئاً. البطل في المرحلة الأخيرة: نعني بالمرحلة الأخيرة رحيل العائلة إلى قسنطينة ثم العودة إلى القرية، وفي هذه المرحلة يصير البطل مسؤولاً عن عائلة أخيه، ويبدأ بمتابعة النشاط السياسي، ومعرفة ما يجري في البلاد، وتتبع وسائل الإعلام، بالرغم من عدم امتلاك جهاز تلفزة، ومع ذلك يخبر البطل زوجة أخيه فاطمة بأن الدولة بدأت توزع الأراضي، ويقنعها بأن تلك الأراضي المؤممة ليست ملكاً لأولئك الإقطاعيين، بل هي ملك له ولها ولا مثالهما. ويبدو إيمانه بالنصر قوياً، ولعله لذلك صار منتخباً في المجلس الولائي للفلاحين. علاقة البطل مع شخوص القصة: علاقته بهم في القرية: يحظى البطل في قريته بالتقدير والاحترام، ولكن رده القاسي على السعيد الذي يعتزم الهجرة إلى فرنسا سبب له مشاكل، وبمعنى آخر، فإن مس فرنسا يعني مس الاستغلال، وهذا ما يؤدي إلى طرده من الحقل، وتهديده بالقتل. وبذلك تتصدع علاقته بهذه القرية النائمة، ولكن علاقته بأفراد العائلة التي يعولها ظلت على الدوام حسنة، يسودها الود والإخلاص والشفقة والشخص الذي دعم مسعود بقليل من المال ليساعده على الهجرة إلى قسنطينة هو علاوة القهواجي الذي ظل مسعود يذكر فضله. علاقة البطل بالآخرين في المدينة: كان أول شخص يقابله مسعود في قسنطينة بحرارة هو عليوة الذي خفق قلب مسعود لمجرد رؤيته، وقد انتظره مدة طويلة في رحبة الصوف أمام المقهى، وقد توسط له عليوة لدى صاحب الحمام ليشتغل خياطاً عند الحاج الطاهر. وبذلك صار له زملاء، والعلاقة التي تربطه بهؤلاء علاقة مهنية أساساً. ولعل الكاتب تعمد أن يجعل النادل في المقهى هو الذي يدل مسعود على عليوة. وهنا نذكر أن الذي ودعه في القرية كان يعمل في مقهى أيضاً. وامرأة المعهر يأخذها الحنان والعطف على الفتى مسعود، فتوجه له أسئلة استفسارية، ثم ترد له دراهمه كاملة دون أن تشعره بذلك ولقد أحسنت إليه بعد معرفتها بوضعيته. علاقة البطل بالشخوص الأخرى في الفصل الثالث: في الفصل الأخير من القصة، تجتمع الأسرة، حيث يجلب مسعود عائلة أخيه المهاجر الذي لا ينوي العودة إلى البلاد، ويكتري بيتاً في "السويقة" وهكذا يأوي يومياً إلى فاطمة وأولادها، وفي نهاية الفصل تعود الأسرة إلى القرية وينتخب مسعود ـ كما أسلفنا ـ في مكتب الولاية الخاص بالفلاحين. وبذلك يتحقق النصر الذي تعب هذا البطل من أجله، وإذا تتبعنا مسيرة البطل نجد أنه انطلق من الصغر، فقد كان خماساً، وصار في النهاية رئيساً لأنه ثار وثورته نجحت، لأنها ثورة فلاحية وعمالية جماعية وواعية. اللغة والأسلوب: إذ قمنا بعملية تصنيف لغوي للعبارات الواردة في القصة، فإننا نجد الألفاظ المستخدمة تتوزع على الأقسام الآتية: 1 ـ قسم خاص بالليل والظلام. 2 ـ قسم خاص بالفجر، والأفق والشمس… وما إلى ذلك. 3 ـ وقسم ثالث يعبر به الكاتب عن عواطف وانفعالات البطل. والقسم الأول أقل حجماً من الناحية الكمية، وهو يسود بصفة خاصة الفصل الأول، وبالأحرى بداية الفصل الأول من ذلك قوله: " لفظ الليل أنفاسه الأخيرة، ولم تبق سوى بعض الكتل السوداء" (23) " لكن طول الليل يرهقه، فهو يمقت الظلمة" (24). " لا لشيء إلا لأنهم أمسكوها عند المغرب في طريقها نحو المجاهدين (25) " تصارع الظلام بنفس قوي" (26). فهذه العبارات وغيرها تعبر عن حياة القهر والظلم والخضوع والخنوع، وقد استخدم الكاتب لفظة "الليل الحالك" ليعبر بها عن هذه الوضعية المأساوية، وهذا الليل لا يزيله سوى الفجر، ومن هنا يورد الكاتب صنفاً من الألفاظ يعد أكثر استعمالاً، هو الشمس وما يتبعها ومن هذا الصنف قوله: " أشعة الشمس التي تعيش لحظات الولادة الصعبة" (27). " الأفق أحمر متوهج" (28). وغني عن البيان بأن الشمس التي يعنيها هي شمس الحرية، والحياة الجديدة، واحمرار الأفق وتوهجه هو رمز الثورة الاشتراكية الهادفة لتحرير الفلاح والعامل من الأيدي المستغلة. ويهيم الكاتب باستخدام الكلمات الآتية: السماء ـ الفضاء ـ الأفق.. وهذا النوع من الكلمات يجاور الصنف الأول ويناقضه فيبدده، إنها إذن الثنائية الضدية التي ينتصر فيها النور على الظلام. وإذا انتقلنا إلى نفسية البطل، فإننا نجد صنفاً آخر من الألفاظ أكثر تواجد من الصنفين السابقين، وهو يمثل أكثر من 50 % من عبارات النص، وهذه الألفاظ والتعابير تكشف لنا عن الشعور الذي يستولي على نفسية مسعود، يبرزه الكاتب خائفاً ضائعاً، ونجد كلمة الخوف تتردد كثيراً، فحين تسأله فاطمة هل تفكر بحزن؟ يجيب "أفكر بأمل وخوف واضطراب " (29). ولعل هذا الخوف كان ناتجاً عن مصيره المجهول، صحيح أن هناك أملاً ولكنه ليس واضحاً، فالطريق صعب، ويعبر البطل عن ذلك بقوله: "آه لو يمكن للإنسان أن يعرف ما تخبئه الأيام" (30) ويزداد خوفه بدخول تلك المدينة الغريبة عنه، وهو القروي النازل حديثاً إليها، يقول الكاتب: "وجد مسعود نفسه في مدينة أشعرته بالخوف والضياع من أوله وهلة" (31). وفي الصفحة الموالية يقول: "ولولا الخوف من العواقب لألقى بالسؤال في الفضاء" (32). وهذا الخوف يستمر لدى البطل، فحين يعود إلى البيت، ويسمع ضجيج النسوة، وهن يتخاصمن يخاف أن تكون فاطمة معهن، يقول: "خفت أن تكون معهن" (33). وإضافة إلى الخوف فهو يشعر بالضياع، ولكن عبر عن ذلك، فقد قال مرة لزوجة أخيه فاطمة: "أنت ضائعة مثلي يا فاطمة، كلانا تحترق أيامه سدى لكن ما السبب " (34). وهذا البطل رغم شعوره بالضياع، خوفه من مصيره المجهول فإنه ليس خاضعاً، بل هو دائم البحث عن البديل، وهو متطلع إلى الأفضل، وبطل بهذه الصورة لابد أن يعتريه القلق والاضطراب، ومن هنا نجد القصة تنوء بمثل هذه المعاني، يقول الكاتب: " شعر بما يشبه الرغبة في الانتقام.." (35) " بعث في نفسه خليطاً من الملل والفشل" (36). " فقد أقلقه اللعب في الدقائق الأخيرة" (37). " غضب من أخيه" (38)، "شعر برغبة في البكاء" (39)، "وبغضب قال" (40)، "تضخم الغضب بقلبه، ثم قال" (41). ولا يزول القلق والاضطراب إلا حين يرى النيران تلتهب في الأكواخ، هذه الأكواخ التي كانت السبب في قلقه، واضطرابه، ولقد أخبرنا بذلك منذ الفصل الأول حين قال: "قد أجد في المقهى أصدقاء أرتاح لوجودهم، والحديث إليهم، أما الكوخ فليس فيه سوى من يغرس في القلب الحزن" (42). ولكن هذه العواطف سرعان ما تتبدد، حين يحصل مسعود على سكن، حينها يصرخ قائلاً: "نريد آلات بدل الخطب والاجتماعات" (43). إن المعجم اللغوي للقصة جعل من البطل أسير انفعال رهيب، ولعل ذلك نتيجة القدرة الشاعرية للكاتب زتيلي، ولو تجسد الانفعال في أمور خارجية أو في معادل موضوعي كما قال ت. س اليوت لكن ذلك أجود حقاً إن البطل يرفض، ويهاجر، ولكن هذه الأحداث لازمة وتبقى الأحداث الجزئية التفصيلية قليلة وناقصة. أما الأسلوب المستخدم في القصة، فهو سهل مباشر، ونلاحظ استخدام النفي بصورة واضحة، فبدل أن ينشئ الكاتب جملة يقر بها حقيقة نجده ينفي ما يناقضها، ومن أمثلة ذلك قوله: " كيف لا يفهم الفلاحون لغة العصافير" (44). " لماذا لا يظل زوجك إلى جانبك يا فاطمة" (45). " لم يفتح الدكان هذا اليوم" (47). والقصة تتوزع بعد ذلك بين السرد والحوار بقسميه الخارجي والداخلي، وهذا الأخير أي المونولوج يعد ظاهرة ملفتة للانتباه في هذه القصة، فالبطل يحاور ذاته، ولكن لماذا اللجوء إلى هذه الطريقة؟ وبمثل هذه الدرجة؟ إن هذا النوع من الحوار يكشف الكاتب من خلال نفسية البطل ويجعله بهذه الطريقة يعبر عن أفكاره ومشاعره، فحقده على الإمام وإعجابه بزوجة أخيه.. كل ذلك أمور ما كان لها أن تبرز لو لم يحاور البطل ذاته، ومن هنا فإن "المونولوج" قد أدى وظيفته الفنية. وأخيراً فإن "الأكواخ تحترق" قصة أهم ما يقال عنها: إنها قصة جزائرية، تعالج الواقع الجزائري، الشعبي والعمالي، فهي تدخل في إطار الأدب الملتزم بقضايا الجماهير الكادحة، وهي رغم واقعيتها ومحليتها إلا أنها صالحة للتعبير عن أكثر من فترة، وتصدق على أكثر من شعب، وهي تمتاز بالخفة فاللغة سهلة في غير ضعف والجمل واضحة معبرة وكل ذلك يشجع على قراءتها وتذوقها. الهوامش: (1) الخماسة، ظاهرة إقطاعية، تقتضي بأن يقوم العامل بفلاحة الأرض طوال الموسم مقابل حصوله على خمس المحصول. (2) محمد زتيلي: الأكواخ تحترق، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط 2، 1982، ص 5. (3) المصدر السابق، ص 7. (4) نفسه، ص 12. (5 ، 6) نفسه، ص 13. (7 ، 8 ، 9 ، 10 ) نفسه، ص 32. (11) نفسه، ص 15. (12) نفسه، ص 17. (13) نفسه، ص 24. (14) نفسه، ص 85 (15) نفسه، ص 86. (16) نفسه، ص 52. (17) نفسه، ص 74. (18) نفسه، ص 30. (19) نفسه، ص 18. (20) نفسه، ص 14. (21) نفسه، ص 70. (22) نفسه، ص 62. (23) نفسه، ص 7. (24) نفسه، ص 8. (25) نفسه، ص 12. (26) نفسه، ص 14. (28 ، 27) نفسه، ص 7. (29) محمد زتيلي: المصدر السابق ص 28. (30) المصدر السابق، ص 41. (31) نفسه، ص 44 (32) نفسه، ص 45. (33) نفسه، ص 77. (34) نفسه، ص 14. (35) نفسه، ص 15. (36) نفسه، ص 16. (37) نفسه، ص 20. (38) نفسه، ص 30. (39) نفسه، ص 34. (40) نفسه، ص 51. (41) نفسه، ص 60. (42) نفسه، ص 14. (43) نفسه، ص 85. (44) نفسه، ص 8. (45) نفسه، ص 15. (46) نفسه، ص 17. (47) نفسه، ص 25. |
|
|
|
|
سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف : 6117240 - فاكس: 6117244 |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : محمد زتيلي, مدير الثقافة زتيلي | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























