قسنطينة تستعيد حيويتها الثقافية
سقي الجذور وعودة الوعي للذاكرة المنسية
2003/2004
تقرير منشور بمجلة الثقافة لوزارة الثقافة الجزائرية
كتبه محمد زتيلي خصيصا للمجلة
تمثل عملية الحفر في الذاكرة مهمة ذات أولوية لا تضاهيها في ميدان العمل الثقافي سوى مهمة الحفر الأركيولوجي، إنهما عمليتان تعتبران في نهاية الأمر وجهين لعملة واحدة لكونهما ينطلقان من تصور محدد لتحديد معالم ثقافة مجتمع من المجتمعات. فالبعد الروحي المحدد للروابط الإجتماعية والعلاقات الإنسانية يستمد حياته من ذاكرة المكان بتجلياته الحضارية المتعاقبة، وعليه فليس العمل الثقافي في زمن العولمة وفي كل زمن قفزة أو قفزات في الظلام، بل هو عمل محدد ومدروس وفق رؤية سوسيوثقافية شكلت عبر الأعوام ترسباتها في الوعي الجماعي.
كل ذلك بطبيعة الحال مفتوح على الأفق، وهذا الانفتاح ليس مجانيا بل هو انفتاح بلا حدود مستمد من ذاكرة خصبة تماما كالشجرة التي تستمد أغصانها القوة والحياة من تلك الجذور المغروسة في أعماق التربة. ومن الواضح أنه بقدر انغراس الجذور في أعماق التراب بقدر ما هو ممكن للشجرة إعطاء النمو للأغصان والحياة للأوراق.
قد يبدو هذا الكلام نظريا، والحقيقة أنه أبعد ما يكون عن ذلك، بل إنه في صميم الممارسة والبناء والتشكيل والنحت الروحي والمادي والنفسي، وعليه فالعمل الثقافي في ولاية كقسنطينة ليس هو نفس العمل الثقافي في ولاية أو منطقة أخرى.
فالتاريخ المشترك أعطى لكل منطقة نقاط قوة تتميز بها وتمنحها خصوصيتها وحرارتها،ويتعين على العامل في الحقل الثقافي الغوص في ذاكرة المكان بحثا عن هذه الفرادة أو بحثا عن قوة الأشياء التي تناثرت شظاياها على سطح الذاكرة الغائبة أو المتعبة، من خلال جمع الشتات وإعادة تكوين الحدث.
ومن اللازم القول بأن قوة العمل تتكون من خلال تأصيله، ولنا في هذا نموذج حي على ما نقول، فالتراث العيساوي يمثل بالنسبة لمدينة قسنطينة أحد أركان حياتها الفنية والروحية والفكرية، ويمتد هذا في ذاكرة القسنطينيين، إلى عشرات السنين، إستطاعوا أن يتفاعلوا معه أخذا وعطاء، وأن يتشابكوا مع تفاصيله عقودا متتالية من الزمن، وخلال حقبة الاستعمار الفرنسي كان التراث والفن العيساويين ملاذا روحيا لهم، إتخذوه مجالا للتصوف والإستمساك بما هو مختلف وأصيل في حياتهم. ورغم الدعوات الأكثر جرأة والنداء لإصلاح حال الأمة،
ورغم أن الفن والتراث العيساويين لا يتيحان هذه الإمكانية حسب الأهداف الموضوعة، ورغم ما حصل من تراشق اجتماعي فرضته المرحلة التاريخية الصعبة إلا أن صلة القسنطينيين بالفن والتراث العيساويين ظلت مستمرة وحميمية، وظل الطقس العيساوي مزيجا بين المديح الديني والذوبان في روح الممدوح المصطفى وفي ذات الله المعشوق .
لهذا كان المهرجان الوطني الأول للفن والتراث العيساوي الذي نظمته مديرية الثقافة وجمعية أبناء الطريقة العيساوية من 30 أكتوبر إلى 05 نوفمبر 2003 وشاركت فيه فرق عيساوية من عنابة وبسكرة وتلمسان وقسنطينة،وفرق عيساوية صنعت الحدث في الأسبوع الأول من شهر رمضان المعظم والتحمت به العائلات القسنطينية طوال أسبوع كامل في قـاعات العرض الموزعة عبر تراب الولايــة، الخروب، علي منجلي، عين اسمارة وقسنطينة وعبر إقامات جامعية.
هذا المهرجان الوطني الأول للعيساوة أطلق عليه إسم”خرجة سيدي راشد”
تبركا بمكارم الولي الصالح سيدي راشد الذي ارتبط تاريخه وذكره في ذاكرة القسنطينيين بكل ما هو خير من نشر للعلم والفضيلة وخدمة للدين وقد أتى إلى قسنطينة من ضواحيها القريبة بعد منتصف القرن التاسع عشر فأعطى للمدينة ولأهلها الكثير الكثير فاحتضنوه واتبعوا نهجه فانتشرت روحه الطاهرة بين أهل المدينة التي خلدته بعد وفاته وبنت له مقاما طيبا ظل شامخا رغم ما تعرض له عبر الأعوام، وقبل سنة فقط خصصت له سلطات المدينة جهدا خاصا فأعادت صياغته وإشراقه.
شاركت في المهرجان الوطني الأول للعيساوة كل من الجمعية القادرية لولاية بسكرة وجمعية المرحوم الحاج خروبي من ولاية عنابة والجمعية القادرية لولاية سوق اهراس كما شاركت من ولاية قسنطينة الغنية بعدد الجمعيات العيساوية كل من الراشدية العيساوية وجمعية الرحمة لمدينة الخروب وجمعية أبناء الطري













