مقدمة ليست طللية
بقلم الشاعر: محمد زتيلي
تصدرت هذه المقدمة الأعمال الشعرية للشاعر الصادرة عام2007
-1-
الشعر ذروة النثر.
والشعر حالة التجلي العظمى للنثر.
والشعر تلخيص وتكثيف للجميل في الحياة واللامرئي.
والشعر هو الحكمة، والحكمة هي عصارة التجربة البشرية ملخصة ومكثفة.
والشعر هو حالة الصفاء العظمى للوعي.
والشعر هو الوعي في تجلياته تعبيرا عن حالات الإنتصار والإنكسار.
والشعر هو أزهار شجرة المعرفة، وبدون هذه الشجرة لا يكون الشعر، وبدون مناخ ملائم طبيعي وصحي لا يكونان معا.
والشعر هو لحظة فرح أو حزن، سعادة أو تعب، يقبض عليها العقل فيصبها ويعجنها بوسيلة اللغة. وليست اللغة وسيلة محايدة، إنها في أكثر اللحظات تجسيد حي للشعر.
وعندما نقول الشعر نقول الشاعر، والشاعر هو القصيدة، والشاعر هو الأعصاب الحية النابضة للزمن، وهو الجغرافيا والتاريخ والآمال والعواصف التي تفاجئ تجربة التجربة.
والشعر هو التمرد على السائد الميت الأعصاب.
والشعر حالات لتخطي كل ما هو عادي ومألوف.
الشعر هو الإضافة الكبرى في مسيرة البشرية.
والشعر فضح للزائف في النفس، وقتل للرغبة في المهادنة والركون للمسلمات.
والشعر تعرية دائمة عن الجميل والمشرق، وتقديم للمحظور في علاقته الإنسانية الخالدة.
والشعر إلغاء للجفاف، وسقي لليبوسة.
والشعر ليس مبنى ومعنى، وليس لغة وموسيقى، وليس تصويرا للتجربة الإنسانية الكبيرة، وليس نقلا للجميل في حياتنا، إنه كل ذلك في كل ذلك، وبدون ذلك لا يكون الشعر شعرا، ولاتكون الكلمات المرصوفة قصيدة، وبدون ذلك كله تصبح الكتابة عملية محاصرة فجة للكلمات الشاردة في أغوار ومتاهات وفضاءات الذاكرة.
والشعر ليس ماركة مسجلة، ذات مقاييس محددة، ومواصفات مضبوطة سلفا، إنه تفتيق لكل ذلك ليقدم ماركته مرة واحدة ووحيدة.
والقصيدة لا تدخل نفوسا بورا، ولا تطرق أبواب العقول الجرداء، ولا تتصالح مع البلاهة والموت، كما لا تتواضع لتكون ضيفا ثقيلا في مأدبة اللئام، الشعر اعتزاز وكبرياء ولكنه حرب على الفظاظة والمتاجرة بنبض الأسئلة القلقة.
يوجد اليوم من يشنون الحرب على الشعر، حربهم فجة، وغبارها كغبار الخيول العرجاء العائدة من هزيمة ثقيلة.
يعلنون كلما سنحت لهم الفرصة بأن الشعر قد مات وانتهى وأن الزمن الحالي هو زمن النثر، هؤلاء المعلنون يعتقدون أن مثل هذه الأحكام تخدم النثر وتدفعه نحو الأمام خطوات كبيرة، وهؤلاء يعتقدون أن موت الشعر علامة صحة في مسيرة البناء الثقافي يهلل لها ويبشر ببلوغها، وهؤلاء المعلنون يعتقدون أن الشعر تعبير عن حالة بدائية الإنسان وبساطته المنسجمة مع التخلف، وبالتالي فإن موته يعني بداية السير نحو الأمام.
ليت هؤلاء يدركون أن تقهقر الشعر هو إنذار أول بتقهقركل المسيرة الثقافية، وأن ازدهارها هو الشرارة التي تنبئ بكل ما هو صحي وسليم في الحياة بجميع جوانبها.
إن الإعلان، بل والفرح لموت الشعر يعني أن الذات ما زالت غير قابلة للتأقلم مع التقدم، وأنها ما تزال مشدودة إلى السائد الرتيب.
ليس هناك عصر إرتقى فيه الشعر ارتقاءا وكان ذلك العصر موسوما بالتخلف والإنحطاط، وليس هناك عصر عرف فيه النثر تطورا وتقدما في غياب تطور الشعر.
إن الشعر موجود في كل أنواع الفنون ولا سيما في النثر، وقد كان الشعر وما زال مسؤولا عن تطور أو تقهقر النثر.
وكم كان مفيدا لو سمع بديلا عن أولئك المعلنين حسرات على ما آل إليه الشعر من رتابة ونمطية حتى كاد يخجل من أن يحمل إسمه.
وكم كان مفيدا لو آرتفعت أصوات تشرح وتحلل وتحاجج في مستوى النثر بصفة خاصة والثقافة بصفة عامة.
فهل يعتقد الفاهمون معلنو موت الشعر أنهم بذلك يخدمون النثر أم يسيئون إليه ويضرونه كما يضرون الشعر.
لم يعرف أن أمة إرتبط الشعر بروحها وكيانها كأمة العرب.
ولم يعرف أن أمة فرحت بموت الشعر كأمة العرب.
ولم تعرف أمة تعتقد بإمكان تطورها وشفائها بدون ثقافة كأمة الع













